تاريخ الإضرابات في المملكة المتحدة وأثرها على الاقتصاد

تاريخ الإضرابات في المملكة المتحدة

سائقي القطارات في المملكة المتحدة هم أحدث مجموعة تفكر في الإضراب، حيث من الممكن أن يكون هذا أول إضراب وطني للسكك الحديدية منذ أكثر من 25 عامًا.

في الوقت الذي يواجه فيه العمال معدلات تضخم مرتفعة، ترفض الحكومة رفع أجور القطاع العام. كما أن تأثيرات الأزمات الاقتصادية المستمرة مثل جائحة كوفيد وأزمة تكلفة المعيشة تلقي بظلالها على أوضاع العمال في المملكة المتحدة.

تاريخ الإضرابات في المملكة المتحدة

تاريخ الإضرابات في المملكة المتحدة طويل ومعقد، ويعود إلى عدة قرون مضت. شهدت المملكة تحولات هامة في كيفية تنظيم الإضرابات والنشاط النقابي، وقد تركت هذه التحولات بصمات كبيرة على الاقتصاد البريطاني.

فيما يلي بعض المعالم الرئيسية في تاريخ الإضراب في المملكة المتحدة حتى اليوم:

ما قبل القرن العشرين: القانون يقيد ويدعم في الوقت نفسه النشاط النقابي

بدأت الإضرابات في بريطانيا في القرن السابع عشر، حيث كان العمال المهرة ينظمون فترات قصيرة من الإضراب بهدف الحصول على أجور وظروف عمل أفضل.

في تلك الفترة، كانت الإضرابات متفرقة وغير منتظمة، لكنها كانت تمثل بداية للتنظيم العمالي. مع مرور الوقت، وتحديدًا في القرن الثامن عشر، أصدرت الحكومة البريطانية تشريعات جعلت الإضرابات غير قانونية، مما عرقل الحركة العمالية لفترة.

ومع ذلك، في عام 1871، تم تمرير قانون النقابات العمالية الذي جعل من النقابات هيئات قانونية. وقد شكل هذا القانون نقطة تحول رئيسية في تاريخ الإضرابات في المملكة المتحدة، حيث أسهم في ظهور موجة من النشاط الصناعي في عدة قطاعات مثل تعدين الفحم والمنسوجات.

كانت النقابات العمالية في تلك الفترة تسعى للحصول على ظروف عمل أفضل، بما في ذلك تقليل ساعات العمل ورفع الأجور.

تاريخ الإضرابات في المملكة المتحدة

التدهور الاقتصادي بعد الحرب العالمية الأولى

بعد فترة هدوء طويلة أثناء الحرب العالمية الأولى، شهدت المملكة المتحدة تجدد النشاط النقابي في العشرينيات من القرن العشرين، وذلك بسبب الضغوط الاقتصادية التي تبعت الحرب.

في ذلك الوقت، كان أرباب العمل يسعون لتقليص الأجور في ظل التغيرات السياسية والاقتصادية. واحدة من أبرز الأحداث في هذه الفترة كانت الإضرابات التي دعت إليها النقابات العمالية، وأشهرها كان الإضراب العام في مايو 1926، والذي امتد لمدة تسعة أيام.

خلال الإضراب العام، طلب اتحاد النقابات العمالية (Trades Union Congress)، وهو أكبر هيئة نقابية في إنجلترا وويلز، من جميع النقابات المشاركة في الإضراب لدعم العمال المتضررين من محاولات خفض الأجور.

كان هذا الإضراب من بين أكبر وأهم الإضرابات التي شهدتها المملكة في تلك الفترة، ويُعتبر لحظة حاسمة في تاريخ النشاط العمالي في المملكة المتحدة.

اقرأ أيضا: إضراب سائقو سيارات أجرة جاتويك

بعد الحرب العالمية الثانية

بعد الحرب العالمية الثانية، شهدت المملكة المتحدة فترة من الركود، مما أدى إلى زيادة النشاط النقابي بشكل ملحوظ.

في هذه الفترة، كان العديد من الإضرابات في المملكة المتحدة غير رسمية ولم تكن مدعومة بشكل كبير من النقابات العمالية، مما دفع الحكومة البريطانية إلى إصدار قوانين تفرض مزيدًا من المساءلة على النقابات العمالية. تضمنت هذه القوانين ضرورة إجراء تصويت أو اقتراع قبل تنظيم أي إضراب.

أدت هذه الإضرابات إلى سلسلة من الاضطرابات في الصناعات المختلفة، بما في ذلك قطاع الكهرباء. كان من أبرز هذه الأحداث إضراب عمال مناجم الفحم في سبعينيات القرن العشرين، والذي أدى إلى انقطاع التيار الكهربائي في جميع أنحاء البلاد.

وتسبب هذا في فرض إجراءات تقشفية، مثل تقنين إمدادات الكهرباء وتحديد ساعات العمل، وذلك بسبب التحديات التي سببتها الإضرابات في المملكة المتحدة.

السبعينيات

في السبعينيات، كان الوضع الاقتصادي في المملكة المتحدة يعاني من التضخم المرتفع، مما أدى إلى زيادة الضغوط على العمال من أجل الحصول على زيادات في الأجور تتماشى مع ارتفاع تكاليف المعيشة.

وصل حزب العمال إلى السلطة في عام 1974، وكان هذا بداية فترة من النشاط النقابي المكثف. حيث بدأت النقابات العمالية في المطالبة بزيادة الأجور بشكل كبير لضمان أن رواتب الأعضاء تتماشى مع التضخم.

في عام 1978، حاول عمال مصنع فورد الحصول على زيادة في الأجور بنسبة 25%، مما أدى إلى إضراب استمر لمدة تسعة أسابيع.

ورغم أن الإضراب لم يحقق الزيادة المطلوبة، إلا أنه أسفر عن زيادة بنسبة 16.5% في الأجور. وفي يناير 1979، دعت النقابات إلى إضراب عام لمدة يوم واحد، شارك فيه حوالي 1.3 مليون عامل في جميع أنحاء المملكة المتحدة.

اقرأ أيضا: إضراب السكك الحديدية الأكبر من نوعه في بريطانيا منذ 30 عاماً

الثمانينيات

في عام 1979، تولت مارجريت تاتشر رئاسة الحكومة، وبداية من تلك الفترة بدأت الحكومة البريطانية في فرض قيود صارمة على النقابات العمالية.

خلال فترة حكمها، تم تمرير مجموعة من القوانين التي كانت تهدف إلى تقليل قوة النقابات، مثل قانون النقابات العمالية لعام 1984، الذي قيد حق الاعتصام وأجبر النقابات على إجراء اقتراعات قبل تنظيم أي إضراب.

كانت فترة الثمانينيات مليئة بالتوترات بين الحكومة والنقابات، حيث كانت هناك العديد من الإضرابات في المملكة المتحدة البارزة، من أبرزها إضراب عمال مناجم الفحم الذي استمر من عام 1984 حتى عام 1985.

وكان هذا الإضراب ردًا على رفض الحكومة زيادة الأجور بنسبة 5.2% التي كانت قد اقترحتها. انتهت هذه الإضرابات بفرض قوانين جديدة أدت إلى تقليص نشاط النقابات العمالية.

الإضرابات في بريطانيا

في الوقت الحاضر: العودة إلى السبعينيات؟

على الرغم من تراجع نشاط النقابات العمالية بشكل كبير بعد الثمانينيات، إلا أن الاحتجاجات والإضرابات بدأت في العودة في السنوات الأخيرة.

حيث دعا العديد من القطاعات العمالية، مثل سائقي القطارات والمحامين وموظفي الخطوط الجوية، إلى الإضراب في السنوات الأخيرة. في عام 2022، كان عدد الأيام الضائعة بسبب الإضرابات في المملكة المتحدة قد تجاوز 1.4 مليون يوم، وهو أعلى رقم منذ عام 2011.

يمكن القول إن هذه التحركات تمثل عودة إلى الأساليب التي كانت شائعة في السبعينيات، حيث بدأ العمال في المملكة المتحدة يطالبون بحقوقهم بطرق أكثر احتجاجية في ظل الأزمات الاقتصادية الحالية. يُتوقع أن يشهد عام 2023 مزيدًا من الإضرابات في مختلف القطاعات العمالية.

المصدر

The Conversation